بعيداً عن الصورة النمطية لعمّان و أهلها، تنتسج كل يوم فوق جبالها السبعة حكايات تعطي المدينة هويتها المميزة و تشكل جغرافية سكانها. من هنا أنطلقت “ناس عمّان” لتوثق قصص لأشخاص من شتى مناطق المدينة، التي كثيراً ما تحمل في تفاصيلها ملامح عماّن بعشوائيتها و تناقضاتها. بعد الانتشار الواسع للمشروع على شتى وسائل التواصل الاجتماعي، و المقابلات المميزة على صفحات الفيسبوك، كان لي معهم هذا اللقاء لنتعرف أكثر على الناس المؤسسين “لناس عمّان”.

 

يسرني أن أتعرف أخيراً على الأشخاص خلف عدسات الكاميرات، لنتعرف عليكم و عن بداياتكم؟

مرحباً بك. أنا اسمي علي الحسني و أنا مؤسس مشروع “ناس عمّان”، بمساعدة زميلتي لينا تمساح. بدأت العمل على المشروع في 2012 بعد متابعتي لصفحة   Humans of New York” على الفيسبوك و إعجابي بالمحتوى الذي تقدمه فرغبت بنقل التجربة لشوارع مدينتي لأيماني بأهمية مشروع من هذا النوع لمدينة عمّان، مع العلم بأنني أحمل شهادة تصوير و تصميم جرافيكي من كلية القدس، مما ساعدني على أن أستثمر في حبي للتصوير و أوثق مدينة عمّان من خلال عدسيتي.

بدأ المشروع على نطاق  العاصمة قبل أن يتوسع ليشمل مدن أخرى في الأردن مثل السلط والبتراء، بالتوازي مع ازدياد أعضاء فريق العمل و المتطوعين الذين أعتبرهم اليوم أشبه بعائلتي الصغيرة.

ما هي أهم العقبات التي واجهتكم أثناء نقلكم لهذا المشروع من شوارع نيويرك لشوارع عمّان؟من المؤكد أن المجتمع الأردني يعتبر محافظاً بطبعه، و لا يتقبل دائماً فكرة التحدث عن حياته الخاصة مع شخص غريب في الشارع، فما بالك بفكرة التصوير و نشر الصور على مواقع التواصل الاجتماعي؟

يعاني بعض الناس بما يعرف ب ” cameraphobia” أو الخوف من الكاميرا و لايحبذون أن نلتقط صورهم،  بينما يطالبنا البعض الآخر بأن ندفع له المال مقابل صورته!  لهذا نعلم أن المشروع ما زال يحتاج لبعض الوقت ليصبح متقبلاً أكثر. مقارنة بالسابق و بعد الانتشار الأوسع لصور “ناس عمَان” على الفيسبوك و التعليقات الإيجابية التي رافقت بعض الصور، انتشرت الفكرة بين الناس بشكل أوسع و بدأ هذا الحاجز بالزوال.  من الجدير بالذكر بأن متطوعينا أيضا من الإناث لأننا نعلم بأن وجود المتطوعين الذكور سيصعب المهمة، خصوصاً عند توجيه الأسئلة للأناث اللاتي سيرفضن التحدث مع شاب غريب.

قبل النزول للشارع نقوم بتدريب المتطوعين على كيفية التعامل مع الناس و طرح الأسئلة بطريقة فعالة، تساهم بالتقرب من الناس و تشجيعهم على التحدث عن أنفسهم دون خوف أو تردد. لهذه الأسباب نتروى كثيراً قبل أن نفكر بتوسيع الفريق لأننا نعلم بأن الفريق الحالي جاهز للتعامل مع أي موقف و يمتلك الخبرة و الحرفية التي ستسهم بنجاح المشروع.

 1000

ما هي أكثر الحكايات التي أثرت فيكم و بعض الشخصيات التي لا تنسى خلال رحلاتكم في عمّان؟

هناك الكثير من الأشخاص الذين أثروا فينا، كل لسبب مختلف. أذكر قصة فتاة سمعنا عنها في أحدى الجامعات. كانت منطوية على نفسها و لا تختلط كثيراً مع الناس، و دائماً ما تلبس القمصان ذات الأكمام الطويلة  و تتعمد إخفاء ساعديها. بعد الحديث معها تبين أنها تعاني من مرض البهاق، و أنها ترفض أن تظهر ذلك أمام الناس خوفاً من نظرات الشفقة و إطلاق الأحكام عليها. بعد نشر صورتها و قصتها على صفحتنا، انهالت التعليقات الإيجابة التي ساندتها و طالبتها بأن لا تقسو على نفسها و أن لا تتخوف من رفض الناس لأنها جميلة و شجاعة لحديثها عن  قصتها. ساهم هذا الأمر على تشجيعها و مساعدتها على التحرر من خوفها و الإقبال على الحياة بنفسية أفضل. أذكر أيضاً قصة الطفل الذي قابلناه في منطقة اللويبدة الذي كان هو و أخوته يضعون طاولة أمام منزلهم و يبيعون الترمس كوسيلة لكسب الرزق. عند دخولنا لمنزلهم فوجئنا بالحالة المتردية جداً للمسكن و بالظروف الصعبة جداً التي كانوا يمرون بها. من هناك قررنا أن لا نتوقف فقط عند نشر القصة بل أن نوصلها لفاعلين الخير الذين ساهموا بجمع مبلغ مالي لمساعدتهم. عند إجرائنا لأي مقابلة نحرص على أن نحصل على المعلومات الشخصية التي تسمح لنا بالتواصل مع هؤلاء الأشخاص لاحقاً في حال دعت الحاجة لذلك، إيماناَ برسالتنا كمشروع إنساني يهدف لتوصيل صوت الناس للأشخاص المعنين و تسليط الضوء على بعض القضايا التي كثيراً ما تكون غائبة عنهم.

cropped

ماذا عن مشاريعكم و تطلعاتكم المستقبلية؟

نطمح أن نتخطى في المستقبل بعضاً من القيود التي تواجهنا في الوقت الحالي و أن ندخل خلف بعض الأبواب المغلقة مثل المستشفيات و السجون و الوزارات التي لا نستطيع دخولها في الوقت الحالي نظراً للبروقراطية التي تصحب مثل هذه الزيارات. نحلم أيضاً بأن ندخل القصر الملكي و أن نقابل العائلة المالكة لنتعرف عليهم عن قرب.

بالنسبة للجانب المادي فأننا نعتمد حالياً على رعاة من القطاع الخاص لتمويلنا إلى أن نصبح قادرين على الاستقلال مادياً. لهذا السبب نقوم بإقامة بعض الفعاليات وورشات العمل التي تساعدنا على جني بعض الربح المادي. نعمل أيضاً في الوقت الحالي على تطوير موقعنا الرسمي  الذي سيعرض مفابلاتنا و سيسمح أيضاً للفنانين المحلين بعرض أعمالهم الفتوغرافية و الفنية للبيع لتحصل الفائدة المتبادلة بين الطرفين. نعمل أيضاً على طباعة كتابنا الأول الذي يعتبر الأول من نوعه في الشرق الأوسط و الثالث من نوعه عالمياً بعد  الكتاب الذي طبع في نيويرك  و من ثم باريس.  سيضم كتاب “ناس عمّان” عينة من المقابلات  المميزة التي أجريناها بالإضافة لمجموعة من الصور الفوتوغرافية من شتى مناطق الأردن، بهدف أيصال الصورة الحقيقة للأردن لكل العالم، بعيداً عن  الصورة النمطية التي يتداولها الإعلام الغربي عن مدينتنا.

 أجرت المقابلة : نماء القضاة